تحليل أولي في “الربيع العربي”: بين النخبة والمؤامرة والتاريخ

هناك بعض التشويش حول أحداث وأهمية الثورات العربية، و التي تسمى بالربيع العربي . بوسعنا أن نصنف الآراء المختلفة التي يتبناها الشارع العربي في ثلاثة مواقف. ألا وهي الموقف (١)النخبوي (٢) والمؤامراتي (٣) والتاريخي.

١) الموقف النخبوي–أي نظرة الطبقة العليا والأغنياء، أصحاب الأموال والوكالات المقترنة بالنظام نفسه–يرى أن الثورة تعني الدمار، وأن الثوار هم المخربون وليس النظام، مهما ظلموا. أنصار “نظرية التخريب” يخافون من الخسائر المادية وهذا حقهم. لكن هذا الموقف قصير النظر ولا يأخذ بعين الإعتبار أن إسقاط النظام (يعني مرحلة التخريب) هو أول مطلب للثوار ويتبعه مطالب لإعادة بناءه.

٢) الموقف المؤامراتي–وهو إمتداد مباشر لايديولوجية القومية العربية اللتي حطمت الحريات في الساحة العامة–يعتقد أن وراء كل مسيرة ضد النظام يد خفية تحرك دميات عربية، وكأن الزلزال الثوري لم يكن نتيجة ظلمات القمع وفساد عريض من قبل النظام السياسي. “نظرية المؤامرة” أولاً وآخراً تضع مسؤولية نكبات العرب على غير العرب، وهي ترى أن أي تغيير للمصالح النفطية والاستراتجية الأمريكية والأوروبية–التي تحيا عليها الانظمة العربية المستبدة أساساً–تشكل مؤامرة غربية عتيقة ضد الشعب العربي الأكبر. لا شك أن ثمة بعض التيارات المعادية للعرب والمسلمين في الغرب ولكنهم على هامش الساحة السياسية في أمريكا وأوروبا. الأهم من هذا أن التدخلات الخارجية–مثل الحروب الأمريكية على العراق–ليست نتيجة مؤامرة، بل سياسة القوي على الضعيف. ونظرية المؤامرة في نهاية الأمر رأي الضعيف، رأي اللذي لا يقرأ التاريخ ولا يفهم الإنتهازية والغدر وسط كل معاملات الدول بعضها مع بعض.

سياسة الغرب–و بلاخص سياسة أمريكا الخارجية–دائماً تحث على هجوم إيران وسوريا ومقاطعة حماس وحزبالله لأسباب عدة مثل استخدامهم العنف والتعذيب من أجل القمع. الحقيقة المرة أن ذبح المدنيين العرب المتظاهرين في الشارع وتعذيبهم في سجون الأنظمة الدكتاتورية–والتي كانت أمريكا تساندهابلامس–اعطت لتلك البلدان الأجنبية الذريعة المطلوبة لإختراق الساحة العربية لمصلحتها. فليكن ذالك على ضمير المؤامراتيين والنخبة المؤيدين للانظمة المستبدة!

٣) الموقف التاريخي–وهو الأرشد–يرى تشابه بين أحداث الثورات العربية–مثل الفقر والجوع والبطالة، الفساد الإقتصادي والإجتماعي، مع قمع وتعذيب وإستعباد الشعب من قبل النظام، وإبعاد الاقليات، المؤدية إلى إنفجار في الشعب وتمرده على النظام السياسي المستبد–وثورات الحضارات الكبرى التي قد مضت. منها ثورة تايبينغ والثورة الفرسنية والروسية، والإيرانية على سبيل المثال. الموقف التاريخي بعيد النظر وطويل البال. فهو يدرك إنتشار الطائفية والعنف نتيجة الثورة و تسلسل تقدم وتراجع وضع المجتمع على مدى سنين وعقود بعدها. بل ويدرك حقيقة الثورة المضادة و خطفها من أيادي الشعب، كما فعل نابوليون وآيةالله خميني. هذا الموقف أيضاً على علم بأن الثورة تزعزع إستقرار البلد، المنطقة المجاورة والمصالح الدولية، كما حدث مراراً في أوروبا في القرنين الماضيين. وهزيمة النظام أو إحتلال الدولة من قبل بلدان أجنبية تضعف الدولة وأحياناً تحرض الشعب على التمرد والثورة، كما حدث في الصين في وسط القرن التاسع عشر. وقد ثبت التاريخ في ثورة الهند ضد النظام البريطاني رغم إتخاذ الشعب نهج غاندي اللذي نص على العصيان المدني السلمي إلا أنه وقع كثير من القتلى بسبب الطائفية الشديدة نتيجة إستقلال الهند ونجاح الثورة. التاريخ يشهد أيضاً على المؤامرات والدجل الماكر بين أطراف الثورة المستفيدة.

إذاً “القراءة التاريخية” للثورات العربية هي أن بلداناً عربية–بما فيها تونس ومصر وليبيا وسورية واليمن–عانت من فساد عارم أخلقت فجوة رهيبة بين النخبة (بما فيهم النظام) والمواطن العادي، إنهيار نظام التعليم والرعاية وقمع الشعب بالقوة وخداعه بالايديولوجية (و المؤامرات) . هذه المعاناة خاصةً بعد إنتشار الفكر القومي العربي بدايةً من خمسينات القرن الماضي–واللذي كان هدفه إعلاء شأن العرب إلا أنه أدى إلى إنتشار الإستبداد و جعله النمط التقليدية للحكم العربي–ازدادت وتراكمت مع السنين اللتي شهدت إنتهاك أموال وحقوق أغلبية الشعب من قبل النظام واعوانه من النخبة. من ضمن عواقب هذه المعاناة لجوء الشعب إلى جهات مختلفة قد تنجيها من اهانتها اليومية أو على الأقل تنسيها عذابها المستمر. تلك الجهات تشمل التوسل إلى العالم خارج عن طريق الأقمار الصناعية والانترنت، الهروب من السجن العربي عن طريق الهجرة، وإنتشار الإسلام المحافظ كبديل سياسي. عندما أدت هذه المعاناة المتراكمة أخيراً إلى الإنفجار الثوري المتوقع–وإن تأخر كثيراً–لعب كل من عناصر تلك الجهات دورها في دعم ومساندة الثورة. ولذا من البديهي أن كل من قناة الجزيرة، فيسبوك، تويتر، جوجل، جاليات العرب بالمهجر، جماعة الاخوان المسلمين وحزب النهضة ساهم في إسقاط انظمتهم الدكتاتورية وبناء المجتمع من جديد.

!والجدير بالذكر هو أنه لا يمكن لأحد أن يرتقي إلى هذا الموقف التاريخي أو يقترب إليه شبراً ما لم يقرأ التاريخ عينه

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s