بين الجيل الجديد والقديم في الثورات العربية

إذا لم تكفي النداءات السخيفة عند البعض تأييداً لدكتاتورية الرؤساء الدمويين ولا تفخيماً في جيوشهم القاتلة ولا تجاهلاً لوسائلهم القامعة–والتي باتت سمة معروفة للإستبداد العربي–فما يقلقني اليوم هم اللذين يبدون أنهم لا يؤيدون النظام الدكتاتوري و بنفس الوقت لا يؤمنون بشرعية المقاومة أو المعارضة أوالثورة، ويعتقدون–فوق ذالك–في مؤامرات ليست لها نهاية. نظرية المؤامرة ملجأ المغلوب على أمره. هؤلاء ينشدون بشعارات مثل “[بلدنا] الله حاميها” ويدعون لسلامة بلدهم من كل شر–وما هي إلا كلمات جوفاء. فالحقيقة–للاسف–أن تلك التعبيرات لا تفيد بشيء سوا الجمود الشديد والرغبة في الحفاظ على الوضع الحالي، سواءً نتجت هذه الرغبة عن الخوف، الضعف أو عقلية البروبغندا وغسيل المخ. وهي تشبه الشعارات الجوفاء التي انتشرت في جميع أنحاء أمريكا في زمن بوش الإبن–مثل “God bless America” و “Support our Troops” –والذي كان المراد منها استغباء الشعب الأمريكي وجعلهم يقبلون حملة عسكرية مدمرة–غير شرعية–على العراق.

رغم الانتهاكات الشنيعة التي ترتكب في حقوقهم إلا إن هناك بعض من العرب المستسلمون لثقافة الإستبداد و الإحتكار–في السياسة، الدين، الإقتصاد، بل في حياتهم الإجتماعية كل يوم. معظم هؤلاء هم الجيل السابق–جيل عبد الناصر وصدام–ومن تبعهم من الشباب الببغائيين المعتصمين ببروبغندا القومية العربية وعظمة الدكتاتورية التي تلقوهما من ابائهم. ذلك الجيل القديم اللذي سبب في ترسيخ الدكتاتورية في البدن العربي وازدواجه مع اديولوجية القومية فشل كل الفشل. ذلك الجيل القديم لم يستطع أن يقاوم استبداديته من أجل ابنائه–و إن طابت نواياهم. ذلك نفس الجيل اللذي لا يتقن الحوار مع الغرب .(فيما يخص إنتقاد التدخل الغربي في أمور سياسية بين البلاد العربية ، فهذا الحق يسقط لدى أي نظام يذبح ابنائه من أجل إستمرارية ظلمه)

هذا الجيل بذل جهده في تربية ابنائه على السمع والطاعة، سابقة حضارتهم العظمى على بقية الحضارات، الخوف من عدة أشباح خارجية (خاصةً اسرائيل، أمريكا والغرب عموماً)، وأدلجة المجتمع الذكوري العربي التقليدي. ولكن هذا الجيل الجديد ليس مقلداً بل ثائراً، وثقافته غير مؤسسة على أدلجة القومية العربية الوهنة بل يطمحون للديمقراطية وحق التعبير والإختلاف السلمي ، والآن يتركون قيود الخوف ليرتدوا ثياب الجرأة، التضحية، والشرف.

قتل بالأمس العشرات في كل من حما وصنعاء وغيرها من المدن العربية الأخرى على أيدي رجال الأمن (و ما أسخر هذه التسمية إذ لا أمن بينهم و لا فيهم!) . ورغم ذلك هناك مسيرات مؤيدة لأنظمة دكتاتورية عربية معينة في مدن غربية حتى الآن

أنا لا أشك في أن هناك عناصر شبه فوضوية في كل ثورة بين ثورات الربيع العربي، إلا أن الأنظمة الدكتاتورية تستغل بساطة الجيل القديم–واللذي قد نفذ معظم حياته بين الخوف والتخويف–بتهديدات تدعي أن سقوط الحكومة (المجرمة و الفاقدة لأي شرعية) تعني–حتماً– تصاعد الإسلاميين أو احزاب شريرة! وقد قال مثله حسني ومعمر. لا أنكر أن جو الثورة مقلق لكل الأطراف، لكن طاقة القدر ما زالت مفتوحة من أجل تحويل العالم العربي من سجون الجيل القديم إلا رياض الجيل الجديد. نحن الآن في المرحلة التي تحدث عنها طه حسين حينما أشار إلى أن مرحلة إسترداد حريتنا–بل إنسانيتنا– ستكون عملية مكلفة.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s